“التفكير الإيجابي” نصيحة سلبية!

هل سبق أن دعاك أحدهم للتفكير بإيجابية وادّعى بأن جميع مشاكلك ستتلاشى؟ أو لكي تتحقق أهدافك في الحياة، ما عليك سوى تخيلها بإيجابية؟

لطالما شاعت فلسفة التفكير الإيجابي لعقود بفضل كتاب “كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس” وكتاب “فكر تصبح غنياً”.

لكن لنفكر ملياً: هل هذا النهج يساعدنا في أن نحيى حياة مليئة بالإنجازات وذات معنى؟ ليس الأمر كذلك.

يقول أوشو، وهو معلم روحاني، أن مفهوم التفكير الإيجابي هو من أكثر المفاهيم تفاهة على الإطلاق.

لماذا لن يساعدك “التفكير الإيجابي” في حل مشكلاتك؟

عندما سُئل عن رأيه بمفهوم “التفكير الإيجابي”، أجاب أوشو أن هذا المفهوم يسبب الضرر أكثر من الفائدة. لماذا؟ لأنه يدعونا لإنكار الواقع والكذب على أنفسنا:

“إن فلسفة التفكير الإيجابي تدعوك لأن تكون كاذباً، أن تكون غير صادق مع ذاتك، أن ترى شيئاً ما وتنكر وجوده، باختصار، أن تغش نفسك والآخرين.”

“التفكير الإيجابي ما هو إلا فلسفة تافهة ساهمت أميركا في نشرها ودسّتها في الفكر البشري – هذا كل ما في الأمر. ديل كارنيجي ونابليون هيل والقس المسيحي وفنسنت بيل – كل هؤلاء قاموا بحقن العقل الأميركي بهذه الفكرة السخيفة المسماة بالتفكير الإيجابي.

تم بيع كتاب ديل كارنيجي “كيف تربح الأصدقاء وتؤثر بالناس” بأعداد هائلة تقارب الكتاب المقدس المسيحي لدرجة أنه ليس ثمة كتاب يضاهيه شهرة.

لا يمكن أن يكون الكتاب المقدس منافساً لهذا الكتاب لأنه يمكن الحصول عليه مجاناً، إلا أن كتاب ديل كارنيجي يباع لقاء مبلغ من المال، أي أنه ليس مجانياً. وقد خلق نوعاً من الإيديولوجيا التي أدت لنشأة الكثير من الكتب من نفس النوع.

لقد أنشأ ديل كارنيجي هذه المدرسة التي تدعو للتفكير الإيجابي: إياك أن ترى الجانب السلبي، إياك أن ترى الجانب المظلم. لكن هل تظن أنه سيختفي بمجرد التعامي عنه؟ إنك تهزأ من نفسك لا أكثر. لا يمكنك تغيير الواقع. فالليل لن يزول، قد تقنع نفسك أن النهار يدوم 24 ساعة، إلا أن هذه القناعة لا تعني أن النهار يدوم 24 ساعة.

الجانب السلبي هو جزء لا يتجزأ من الحياة كما الجانب الإيجابي. إنهما يوازنان بعضهما بعضاً.”

استهل أوشو هذه المناسبة ليلقي الضوء على الكتاب ذائع الصيت “فكر لتصبح غنياً” فيقول:

“بالحديث عن نابليون هيل، يحضرني أن الرجل نفسه كان فقيراً، وهذا دليل كافٍ لدحض فلسفته. وقد أصبح غنياً بعد أن باع الكتاب المسمى “فكر لتصبح غنياً”.

إلا أن التفكير الإيجابي ليس الأمر الذي جعله غنياً – بل إن استغباءه لعقول الناس حول العالم هو ما ساعده في بيع الكتاب، ففي الأيام الأولى لإطلاق كتابه، اعتاد المكوث في متاجر الكتب ليقنع الناس بشراء كتابه.

وذات مرة حدث أن أتى هنري فورد بسيارته من أحدث طرز ودخل إلى متجر الكتب بحثاً عن كتاب بسيط للقراءة. وعندها، لم يرغب نابليون هيل بتفويت الفرصة، فتقدم نحوه وعرض عليه الكتاب قائلاً: “لقد صدر أحد الكتب العظيمة للتو – ستسرك قراءته. إنه ليس مجرد كتاب، إنه طريقة مؤكدة للنجاح.”

نظر هنري فورد إلى الرجل وسأله: “هل أنت مؤلف هذا الكتاب؟”

أجاب نابليون هيل بكل فخر: “نعم، أنا مؤلف الكتاب.”

فبادره هنري فورد بالسؤال دون أن يلمس الكتاب: “هل أتيت إلى هنا بسيارتك الخاصة أم بحافلة النقل العام؟”

لم يفهم نابليون هيل المغزى وراء سؤاله، فاكتفى بالإجابة: “بالطبع، أتيت بالحافلة.”

فقال هنري فورد: “انظر إلى الخارج، تلك هي سيارتي الخاصة، وأنا هنري فورد. إنك تستخف بعقول الآخرين، فأنت لا تملك حتى سيارة خاصة وبنفس الوقت تؤلف كتاباً يدعى “فكر تصبح غنياً! أمَّا أنا فقد أصبحت غنياً دون تفكير، لذلك لا أرغب بأن أكلف نفسي عناء قراءته. فكر تصبح غنياً! – حين تصبح غنياً، تعال إلي، فذلك سيكون الدليل، أما مجرد كتاب لا يمكن أن يكون دليلاً.”

يقال أن نابليون هيل لم يمتلك الجرأة للقاء هذا الرجل المسن الذي يدعى هنري فورد ثانية، على الرغم من أنه أصبح غنياً فيما بعد. لكن مقارنة مع هنري فورد، لم يكن سوى رجلاً فقيراً وكان مقدراً له أن يكون فقيراً طوال حياته. إلا أن منطق هنري فورد كان واضحاً.

لا، إنني لا أؤمن بفلسفة التفكير الإيجابي بتاتاً.”

شبه الحقيقة خطرة

يقول أوشو أن التركيز على التفكير الإيجابي طوال الوقت ما هو إلا إنكار للواقع من حولنا، وهي حقيقة ستلدغنا في نهاية المطاف:

“هل أنا ضد الفلسفة الإيجابية؟ نعم، لأنني في نفس الوقت ضد الفلسفة السلبية.

يجب أن أكون ضد كلا الفلسفتين لأن كلاهما يختار نصف الحقيقة، وكلاهما يحاول تجاهل النصف الآخر.

وللتذكير: شبه الحقيقة تتجاوز بخطورتها الكذبة، لأن الكذبة ستكشف عاجلاً أم آجلاً. الكذبة ما هي إلا قصر مصنوع من ورق – نسمة خفيفة كفيلة بأن تهدم هذا القصر الورقي.

إلا أن شبه الحقيقة خطرة. فقد لا تكشفها إطلاقاً، بل قد تواصل الاعتقاد بأنها حقيقة كاملة. فالمشكلة الحقيقية هي ليست الكذبة، بل تكمن المشكلة في شبه الحقيقة التي تدعي أنها الحقيقة الكاملة، وهذا ما يفعله هؤلاء الأشخاص.”

يجب أن تحرر الأفكار السلبية من عقلك، لا أن تكبحها

يستطرد أوشو قائلاً أن عملية كبح المشاعر السلبية أمر مؤذٍ فيقول:

“يجب تحرير الأفكار السلبية التي ينتجها العقل، وليس كبحها بواسطة الأفكار الإيجابية. يجب أن تخلق وعياً ليس بإيجابي ولا بسلبي. إنه الوعي الخالص الذي لا تشوبه شائبة.

في بحر هذا الوعي الصافي ستحيى حياة طبيعية مباركة…

أحياناً ينتابك شعور بالمقت إزاء شخص ما، ولا تروق لك أشياء كثيرة، وتكره نفسك، وتمقت الوضع الذي أنت عليه، وتتجمع كل هذه القمامة من المشاعر السلبية في اللاوعي لديك، أما على السطح فيولد منافق يدّعي الإيجابية ويقول: “أحب الجميع، الحب هو مفتاح السعادة.” إلا أنك لا ترى أي سعادة في حياة ذلك المرائي. إن نار جهنم بأكملها تغلي بداخله.

قد يضلل الآخرين، وإذا واصل تضليلهم لفترة طويلة، فسيضلل نفسه أيضاً، لكن واقعه لن يتغير. إنه يضيع حياته وحسب، يضيع أيامه القيمة التي تذهب دونما عودة.

إن التفكير الإيجابي ما هو إلا فلسفة المنافقين – هذا الاسم يليق بهذه الفلسفة. تعلمك هذه الفلسفة أنه عندما تشعر بالحاجة للبكاء، فعليك بالغناء. قد تنجح في ذلك إذا حاولت، لكن هذه الدموع المكبوحة ستظهر في وقت ما. ثمة حدود لطاقة الكبح، ناهيك عن أن الأغنية التي كنت تتلوها لا معنى لها على الإطلاق، فلم تكن تشعرها، ولم تنبع من أعماق قلبك”.

مقالة مترجمة

رابط المقال الأصلي

0 Comments

Leave a reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

CONTACT US

We're not around right now. But you can send us an email and we'll get back to you, asap.

Sending

©2019 peacefularcher.com

Log in with your credentials

Forgot your details?